Home / رأي / الدكتور ميلود العضراوي: بأمكان الدولة المغربية أن تحقق مشروع التكامل الاقتصادي والسياسي الإفريقي والدولي

الدكتور ميلود العضراوي: بأمكان الدولة المغربية أن تحقق مشروع التكامل الاقتصادي والسياسي الإفريقي والدولي

ميلود عضراوي

الدكتور ميلود العضرواي

 

لقد صار لزاما على إفريقيا، في ظل عالم أصبحت فيه العولمة واقعا والاندماج الاقتصادي حتمية أن تتحرك بسرعة كبيرة من أجل تلبية مطالب وتطلعات شعوبها المشروعة. القارة السمراء، التي  تواجه صعوبات من كل نوع تمتلك مؤهلات يمكن أن تجعلها قوية اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا.

حاليا لا تتعدى نسبة اندماج إفريقيا في منظومة التجارة العالمية نسبة 3 في المائة[1]، وهي نسبة جد متواضعة مقارنة مع مؤهلات هذه القارة وإمكاناتها الكثيرة . أجل إن للاضطرابات الجيوسياسية الكبرى التي شهدتها إفريقيا في السنوات الأخيرة قامت بتأثير عميق على مردودية القارة اقتصاديا وإنتاجيا.ومن أجل تجاوز العوامل المثبطة ومنها العامل الاقتصادي الذي يفرض نفسه بقوة.

لذا فإن إفريقيا في حاجة لجلب شراكات اقتصادية واسعة وتسريع الاستثمار في البنية التحتية لمواجهة التحدي المزدوج، المتمثل في الانفجار السكاني وتحسين مستوى معيشة شعوبها ومواجهة العوامل المهددة الأخرى كالمناخ والأوضاع الأمنية.

ففي الوقت الذي تعيش فيه إفريقيا هذه السياقات الجيوسياسية، والجغرافية والاقتصادية المتغيرة، التي لم تحظى بالاهتمام الجدير بها من قبل الاتحاد الأوروبي ، اختار المغرب رفع هذا التحدّي، وقام بخلق محورِ للشراكة الاقتصادية قطبِه مدينة الدار البيضاء ، وهي المبادرة التي كانت القارة الإفريقية في حاجة ماسّة إليها وقدر المغرب هذه المبادرة الثمينة وعرف كيف يستغلها في الوقت المناسب.[2]قطب الدار البيضاء المالي فتح عدة أوراش للعمل في الدول الإفريقية جنوب الصحراء، الشيء الذي جعل المغرب مساهما كبيرا وشريكا جوهريا في الطفرة الاقتصادية الأفريقية التي تلوح في الأفق، خصوصا وأن المغرب  يتوفر على مُؤهّلات ستساعده على ذلك، منها الاستقرار السياسي والظروف الاجتماعية والثقافية المواتية، واحتلاله موقعا جغرافيا متميزا ، مع توفّره على بنية تحتية واعدة، وبنية تحتية مالية وخدماتية جيدة، وعرض مالي متكامل وشامل، وإطار قانوني ومالي جيد وإطار تقني فعال وطموحات متزايدة للاشتغال في منطقة قريبة منه ويجمعه بها رافد حضاري مشترك.

إفريقيا تزخر بفرص استثمارية متعددة، ودخول شريك له ارتباط جيد بالاقتصاد الغربي وخصوصا اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، سيجعل منها محركا للاقتصاد العالمي المحلي, وبالنظر إلى الإمكانيات الهائلة التي تتوفر عليها القارة الإفريقية التي وصفها القائد الليبي الراحل معمر القذافي بأنها “مستقبل العالم الاقتصادي ومستودع الموارد الحيوية الضرورية لإنسان ما بعد القرن الواحد والعشرين”، فخي تتوفر على أسواق هائلة ومنابع للثروة والموارد وخزان كبير للطاقة البشرية المنتجة، سواء بشمال القارة أو بغربها أو في وسطها.إن ما ينقص القارة لتعطي وتتبوأ المكانة اللائقة بها بين الأمم هو الاستقرار الأمني والحكامة الجيدة ،المغرب الذي يعبر عن هذا المعطى من خلال إنتاجه نموذج للحكامة السياسية يمكن الاقتداء به في كثير من دول العالم التي تعيش اضطرابات سياسية واجتماعية، قادر على توفير البنى الضرورية لهذا الإنجاز.

حقا هذه هي الصعوبات التي تؤرق انتظارات المستثمرين الراغبين في الاشتغال في مناخ من الثقة قار وتنافسي، للاستفادة من فرص الاستثمار عبر القارة السمراء .هذا الاختيار وضع المغرب في بوابة دول العالم الجديد الساعي إلى تحقيق أمن ورخاء ساكنته والعيش باطمئنان وسعادة ،وتلك كانت ضرورة أكيدة لمواجهة كل الصعوبات القائمة.

إن مبدأ الوسطية الذي يعرفه المغرب توافقيته السياسية واعتداليته في العديد من الثوابت الاجتماعية والدينية؛ جعله فعلا قطب هذه البوابة التي يراهن عليها الغرب نفسه ليحفظ مخارج القارة الأوروبية في الغرب الأوروبي من كل المخاطر المحدقة به. هذا الخيار وضع مدينة الدار البيضاء في مقدمة هذا القطب كقناة للربط بين الفاعلين الاقتصاديين.
وتزداد أهمية إنشاء مركز مالي بالمملكة بالنظر إلى المؤهلات التي تزخر بها، سواء في ما يتصل بوجود مناخ أعمال ناجع، ومهارات محلية جيدة ، وبنيات تحتية حديثة وذات جودة عالية، وأنظمة مقننة وشبكة قوية من الشراكات، والتي أتاحت للمغرب تعزيز جاذبيته للرساميل، وتطوير مهن عالمية جديدة بغية أن يكون قطبا رائدا ومرجعيا للأعمال على الصعيد الإقليمي.والقاري والدولي.
المغرب مستفيد من عمق العلاقات التاريخية والثقافية التي تربطه بباقي بلدان القارة، واحتضانه لعقود شراكة كبرى مع عدة مقاولات أجنبية ، وهذه الأخيرة ترغب في توسيع نشاطاتها واكتشاف الأسواق الواعدة بالقارة، يجعل الحضور المغربي حضورا متناميا  بفضل تواجد شبكة مالية للمصاريف والأبناك المغربية ببلدان إفريقيا جنوب الصحراء، تلك كلها عوامل إيجابية تخول للدولة المغربية أن تضطلع بدور محوري في تقليص الهوة بين بلدان الشمال والجنوب، وبناء عدة جسور بين الفاعلين في المجال المالي من مديري الرساميل والأبناك الاستثمارية وشركات التأمين والتجمعات الإقليمية لمهنيي الخدمات والحرفيين والصناعات المتحولة والتشييد.

المركز المالي للدار البيضاء هو قطب إقليمي من شأنه أن يوفر احتياطي كافي لتمويل المشاريع الاقتصادية الكبرى والمتوسطة، ويسهم في الرفع من الناتج الداخلي الوطني الخام ب2 في المائة بالنسبة للمغرب ويخلق آلية اندماج مالي مغربو- إفريقية توسيع الشبكة الاقتصادية الشريكة وترفع من قوة الإشعاع الاقتصادي للمملكة التي صارت قاعدة لاستقبال الاستثمارات الوطنية والأجنبية، واستقطاب عدد من مراكز الخبرات والمهارات الدولية وتسخير الخدمة في كل الدول الإفريقية الشريكة المتواجدة في محور النشاط الاقتصادي المغربي بدول إفريقيا جنوب الصحراء.

وبعد مرور أقل من سنة على توقيع اتفاقيات الشراكة الاقتصادية من قبل المغرب وعدد من الدول المعنية ، تم قطع خطوات جد متقدمة في نشاط هذه المقاولات الكبرى والمتوسطة في العديد من دول إفريقيا جنوب الصحراء[3].هناك عناية ملحوظة من عدة واجهات تدبيرية قانونية ومالية وجبائية اتخذها المغرب لتسهم في تقدم مختلف الأشغال المرتبطة بهذا الورش الكبير المتنوع.

 

 [1] تقرير لمعهد “توماس مور” الأوروبي المستقل، يوم الثلاثاء، أنّ المغرب قادرٌ على أن يصبح قطباً ماليا مهمّاً في إفريقيا، خصوصا بعد مبادرة الدولة المغربية لجعل مدينة الدار البيضاء قطباً مالياً عالميا لجلب الاستثمارات في القارة السمراء.

[2] تمّ تصنيف قطب الدار البيضاء المالي من طرف مؤشر المراكز المالية العالمية في المرتبة 62 عالميا و 2 إفريقيا، وراء جزر الموريس؛ وليس هناك أي مركز مالي آخر اليوم في إفريقيا يقدم مجموعة كاملة من المزايا لخلق بيئة استثمارية وإنتاجية جيدة أفضل منه.

 

 [3]  فبرنامج “راود شو” الذي انطلق في 2011 عبر سلسلة من اللقاءات الموجهة مع مؤسسات دولية استقطبت اهتماما كبيرا بالنظر إلى العرض المغري المتمثل في السياسة الماكرو-اقتصادية التي أصبحت معروفة على الصعيد العالمي.

 

اترك رد